
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى :
{ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ{16} ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ{17}}
الأعراف الآيات (16-17)
وقال تعالى :
{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}
الأعراف الآية (146)
إهداء
إلى من أفنيا عمرهما من أجلي إلى روح أبي الطاهرة (يعقوب إبراهيم سالم) زاد الله في إحسانه وغفر له وجعله من السابقين المقربين ... وإلى أمي العفيفة الطيبة (مدينة عبد العزيز) سليلة بيت العلم والمعرفة جعل الله قبرها روضة من رياض الجنة وبعثها مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ، وإلى العلماء الربانيين وإلى طلبة العلم وإلى كل من يهتم بخدمة العلم بماله أو فكره .
شكر وتقدير
الحمد لله الذي شرف الإنسان بنعمة العقل وجعل كمال عقله بالعلم والحكمة فله الحمد حتى يرضى وله الحمد بعد الرضا قال تعالى (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ{34}) (1) وقال عليه الصلاة والسلام (ومن لم يشكر الناس فلا يشكر الله) (2) .
بهذا الجهد المتواضع الذي خرج به هذا البحث أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساهم فيه بالنصح أو الإرشاد أو تسهيل توصيل المعلومة فلهم وافر شكري وجزيل امتناني وعلى رأسهم المشرف على الرسالة (أ.د الطاهر أحمد عبد القادر) كلية أصول الدين جامعة أم درمان الإسلامية – قسم التفسير وعلوم القرآن المشرف العام والأخ الناصح والأب الحنون نفع الله به الأمة الإسلامية وجعله ذخراً لها .
ومن ثم أتوجه بالشكر لأسرة دوحتنا الظليلة وشمسنا الساطعة جامعة بخت الرضا أساتذةً وعمالاً وموظفين وإداريين وأخص منهم تقديراً وامتناناً أعضاء شعبة الدراسات الإسلامية العلماء الدعاة ورثة أنبياء الله الذين لم يبخلوا على بالنصح والإرشاد والتوجيه وأعانوني بكل ما هو غالٍ ونفيس .
وأخيراً أتوجه بالشكر الجزيل الخالص للدكتور حجازي حسين مهدي – رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية جامعة بخت الرضا . والدكتور محمد عامر والأستاذ عوض الكريم الكتيابي والأستاذ عبد الستار السماني رئيس شعبة اللغة العربية بمدرسة النيل الأبيض الثانوية والأستاذ محمود فتح الله محمود رئيس وحدة الكمبيوتر جامعة بخت الرضا فلهم مني جزيل الشكر وخالص الامتنان وأسال الله أن يوفق الجميع لخدمة الإسلام والمسلمين وصلي الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ولن تجد له ولياً مرشداً وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد فإن الله عز وجل قد خلق الجنة وبين لهذه البشرية طريق الخير الذي يقود إليها ، وخلق النار وبين وفصل طريق الشر الذي يقود إليها ، فزين للناس طريق الإيمان وحببه إليهم ليقودهم إلى الجنة وكره إليهم طريق الكفر والفسوق والضلال والعصيان الذي ينتهي بمن يسلكه إلى دركات النار قال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{122}) (1) .
ولقد سار على درب الهدى والإيمان الذين اصطفاهم الله وأراد لهم نيل كرامته ودخول جنته أولئك هم المؤمنون أتباع الرسل في كل زمان ومكان وسار على درب الانحراف والضلال والكفر والإلحاد أمم وشعوب وطوائف عديدة وأجيال متعاقبة منذ بدء الخلق وإلى قيام الساعة وقد حكى لنا القرآن بنوع من التفصيل والإسهاب قصص وأحوال هذه الأمم مبيناً أسباب وأنواع ضلالهم والعذاب الذي أصابهم والإنسانية الآن في أمس الحاجة لمعرفة هذا الضلال وأسبابه وأنواعه لتكون هذه المعرفة عوناً حصيناً للمؤمنين وعظة وتنويراً للغافلين .
أهداف البحث :-
يهدف بحث ضلال الأمم والشعوب في القرآن الكريم إلى إثراء المكتبة الثقافية العلمية بإضافة منهج تسلسلاً علمياً يتناول أشكال الضلال وأنواعه منذ بدء الخلق وإلى قيام الساعة .
وكذلك يهدف البحث إلى تبصرة المجتمع المسلم بأهمية معرفة من ضل من قبل وكيف ضل وذلك على المستوى العلمي والسياسي والديني والاجتماعي .
كذلك يهدف إلى إبراز ميل الإنسان إلى الكفر والفجور والضلال بمختلف أنواعه وأشكاله إذا انعدم الوازع الديني والرادع الشرعي لأن ضلال الأمم والشعوب الماضية لم ينته بنهاية هذه الأمم وإنما انتقل من السلف إلى الخلف .
الدراسات السابقة :-
إن موضوع ضلال الأمم والشعوب في القرآن الكريم يمتاز بنوع من الجدة والابتكار بحيث أن أغلب الرسائل والكتب السابقة تناولت هذا الموضوع تناولاً جزئياً إما عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين أو عن طريق رسائل موضوعية محددة في مواضيع معينة من صنوف الضلال وأنواعه كالظلم والكفر وأنواع أخرى من المعاصي والكبائر . من هنا يرى الباحث أن موضوع ضلال الأمم والشعوب في القرآن الكريم يتناول كل أنواع وصنوف الضلال الإنساني الممتد منذ عهد آدم عليه السلام وإلى ما بعد النبي (ص) مع اختصاص كل أمة بنوع أو أكثر من أنواع الانحراف والضلال والفساد مستعيناً على ذلك بأدق منهج وصفي تحليلي قام بتفصيل وتوضيح ذلك وهو القرآن الكريم .
التعريف بالبحث وطريقة المنهج المتبع فيه :-
يعتمد هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي الذي يتضمن الدراسة والتحليل ويعتمد على جمع المعلومات والحقائق ودراستها دراسة وصفية تقوم على المقارنة والتحليل والتفسير بغية الوصول إلى نتائج وأحكام عامة بعيداً عن التفصيلات الفقهية الدقيقة حيث يعتمد الباحث على تفسير الآيات القرآنية لإبراز معانيها ومفرداتها من حيث اللغة وأسباب النزول والأحكام التي استنبطها علماء التفسير بالمأثور المعتمد أساساً على النقل الصحيح الإسناد عن النبي (ص) وعن الصحابة الكرام وعن علماء التفسير من التابعين رحمهم الله جميعاً .
يتناول البحث في الباب الأول ضلال الكفار والمشركين في عهد النبي (ص) من حيث التكذيب والاستهزاء بالقرآن وانتشار الشرك وعبادة الأوثان ومن حيث إنكار البعث والجزاء ومن حيث الصد عن دعوة الله ومعاداة الله ورسوله . وفي الباب الثاني يتناول هذا البحث ضلال الأمم والشعوب الماضية من حيث العلو والاستكبار في الأرض وتكذيب رسل الله والاستهزاء بهم ومن حيث فساد هذه الأمم الأخلاقي والاقتصادي والسياسي .
وفي الباب الثالث يتناول هذا البحث أمة بني إسرائيل من اليهود والنصارى من حيث كفرهم بالله وإيمانهم بالجبت والطاغوت ونقضهم لكافة أنواع العهود والمواثيق ومن حيث قتلهم الأنبياء وكتمانهم العلم وأكلهم أموال الناس بالباطل وتحريفهم لكلام الله وفي الباب الرابع يتناول هذا البحث ضلال المنافقين في عهد النبي (ص) من حيث مخالفتهم لأوامر الله وموالاتهم الكفار ومعاداتهم للمؤمنين ومن حيث كفرهم بآيات الله ومن حيث إعراضهم عن قبول الحق والتحاكم إلى غير الله والتخلف عن الجهاد .